
كانت تشتاق بشدة لأن تذهب لهذا المطعم وتتناول وجبتها المفضلة كما اعتادت ، لكنها اعتادت دائماُ أن تذهب إلى هناك مع صديقتها الحبيبة ، اليوم هي لا تجد صديقتها معها ، وتريد الذهاب بشدة ، فهي لم تعتاد أن تتغيب عن الذهاب كل تلك الفترة ، خمسة اشهر لم تذهب إلى هناك فترة ليست بالقصيرة
قضت فترة طويلة تحاول التأقلم مع شعورها بالوحدة الرهيبة التي تعاني منها ، وبعدما قررت أنها ستختار الوحدة وستصادق نفسها ، ستستمتع بالحياة مع نفسها .
ذهبت إلى هذا المطعم بعد خمسة اشهر لكن وحدها هذه المرة ، تحاول التماسك لكنها تشعر بالانهيار ، تحاول أن تتناسى النظرات الموجهة إليها لكنها تتلفت حولها رغماُ عنها ، تمشي بخطوات ثابتة وبثقة زائدة وابتسامة ، لكنها تجد قدميها ترتجف من تحتها وكأنها ستسقط في أي لحظة ، ثم تجد ابتسامتها تحولت إلى دمعتين على خديها .
مؤلم جداُ صوت الذكريات ، مؤلم لأبعد الحدود ، في كل ركن هنا كانت لها ذكريات جميلة في يوم من الأيام ، تطاردها تلك الصورة دوماُ ، صورة الذكريات وقد وضع عليها شريط اسود يعلن في قسوة أنها لاقت حتفها .
لكنها لا تهتم ، تحاول التماسك ، تجلس على منضدة وحدها ، تتلفت حولها لا يوجد من يجلس وحده ، تخرج من عالم الماضي بقسوته للمستقبل بجماله ، تهرب من الواقع إلى الأحلام كما اعتادت أن تفعل دوماُ ، تحلم يوماُ بمن يجلس معها في نفس المكان ، ويغمرها بما تتمناه من حب واحتواء ومشاركة ، ثم تدعو الله بكل ثقة أن يرزقها إياه ، وهي تعلم أن ربها الكريم الرحيم لن يتركها وحدها .
تجلس وحدها وقد احضر النادل الطعام ، تشعر بألم لأنها تجلس وحدها ، تحاول التناسي ، تقنع نفسها أنها يجب أن تستمتع بالطعام ، لابد أن تتأقلم مع حياتها الجديدة ، لا تستطيع ، الكل ينظر لها ، لا تهتم وتبدأ في تناول الطعام .
وبينما هي كذلك إذا بها تجد شاب في منصف عمره على ملامحه كل علامات الحزن والألم ، يمشي بصعوبة كأنه يحمل هموم البشر جميعاُ ، ثم جلس على منضدة مجاورة لها ووضع رأسه بين كفيه ، تألمت له بشدة ، لكم يؤلمها انه وحيد هو الآخر هكذا ، ولكن بعد خمس دقائق جائت فتاة تمشي مسرعة وتجلس إلى جواره ، الآن لاحظت تلك الدبلتين ، انهما متزوجان ، ابتسمت بعمق ، بصدق ، بقوة ، ان ما تحلم به موجود على أرض الواقع وليس في الأحلام فقط .
لم تسطيع أن تصرف نظرها عنهما ، انها ترى ملامح الشاب على وجه زوجته ، حزنه ارتسم على وجهها في لحظة ، كأنهما شخص واحد ، روح واحدة ، ثم اخذ يحكي لها عما يتعبه ، يبثها همومه وأحزانه ، وهي تستمع له بكل جوارحا وتمسك بيديه ، كأنه طفل صغير وهى أمه الحنونة .
سرت قشعريرة عميقة في جسدها ، تأثرت بحق لهما ، ما كل هذا الاحتواء والمواجدة ، انها ترى الصورة التي تملأ خيالها دوماُ ، وفي هذا الوقت الذي تشعر فيه بأمس الحاجة لهذا الشعور ، في الوقت الذي تشعر فيه ببعض من الخوف ألا يتحقق هذا الحلم ، جاء هذا المشهد أمامها ليخبرها الله أن ما تحلم به موجود بالواقع ، وليس بالأحلام فقط .
لازالت تراقبهم في سعادة وتأثر ، تتمنى ألا تقتحم خصوصيتهم لكنها لا تستطيع ، انهما يمثلان لها صورة لحلم جميل طالما حلمت به ، كم هي جميلة تلك الفتاة ، كم هي رقيقة حنونة ، انها استطاعت أن تجعل من زوجها طفل صغير ، ما كل هذا الاستسلام ؟ انها تبكي .. لانه حزين .. تربت على يديه .. يواصل الحديث .
لا .. انها لا تستطيع التحمل .. انها تبكي هي الأخرى .. لكنها لا تبكي حزناُ بل تبكي فرحاُ تبكي تأثراُ .. لقد انسياها وحدتها حقاُ .. انتقل شعورهما بالأمان إليها .. لقد اسعداها بالرغم من حزنهما .. تناولت طعامها .. وقبل الرحيل القت عليهما نظرة أخيرة ودعت الله لهما كثيراُ .. ثم وجدتهما يضحكان .. لقد ذهبت همومه الكثيرة عندما شاركته بها .. ما هذا ؟ ياللروعة .. ابتسمت من اعماق قلبها .. ثم همت بالرحيل .. الآن تملأها ثقة حقيقية .. لا تجد قدميها ترتجف ، لا تهتم بمن ينظر اليها .... فقط تبتسم






